ابراهيم بن عمر البقاعي
184
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 173 إلى 178 ] الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ( 173 ) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ( 174 ) إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 175 ) وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 176 ) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 177 ) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ( 178 ) ولما كان قول نعيم بن مسعود أو ركب عبد القيس عند الصحابة رضي اللّه عنهم صدقا لا شك فيه لما قام عندهم من القرائن ، فكان بمنزلة المتواتر الذي تمالا عليه الخلائق ، وكانت قريش أعلى الناس شجاعة وأوفاهم قوة وأعرقهم أصالة فكانوا كأنهم جميع الناس ، كان التعبير - بصيغة في قوله : الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ أي نعيم أو ركب عبد القيس إِنَّ النَّاسَ يعني قريشا قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ أمدح للصحابة رضي اللّه عنهم من التعبير عمن أخبرهم ومن جمع لهم بخاص اسمه أو وصفه . ولما كان الموجب لإقدامهم على اللقاء بعد هذا القول الذي لم يشكوا في صدقه ثبات الإيمان وقوة الإيقان قال تعالى : فَزادَهُمْ أي هذا القول إِيماناً لأنه ما ثناهم عن طاعة اللّه ورسوله وَقالُوا ازدراء بالخلائق اعتمادا على الخالق حَسْبُنَا أي كافينا اللَّهُ أي الملك الأعلى في القيام بمصالحنا . ولما كان ذلك هو شأن الوكيل وكان في الوكلاء من يذم قال : وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * أي الموكول إليه المفوض إليه جميع الأمور ؛ روى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : « هذه الكلمة قالها إبراهيم عليه السّلام حين ألقي في النار ، وقالها محمد صلّى اللّه عليه وسلّم حين قالوا : إن الناس قد جمعوا لكم . وقال : كان آخر كلمة قالها إبراهيم عليه السّلام حين ألقي في النار : حسبي اللّه ونعم الوكيل » « 1 » . ولما كان اعتمادهم على اللّه سببا لفلاحهم قال فَانْقَلَبُوا أي فكان ذلك سببا لأنهم انقلبوا ، أي من الوجه الذي ذهبوا فيه مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بِنِعْمَةٍ وعظمها بإضافتها إلى الاسم الأعظم فقال : مِنَ اللَّهِ أي الذي له الكمال كله وَفَضْلٍ أي من الدنيا ما طاب لهم من طيب الثناء بصدق الوعد ومضاء العزم وعظيم الفناء والجرأة إلى ما نالوه
--> ( 1 ) صحيح . أخرجه البخاري 4563 و 4564 من حديث ابن عباس .